لسان الدين ابن الخطيب
287
الإحاطة في أخبار غرناطة
الخرق ، وفارقت من الضيق منتداه ، وأفلتتني يداه ؛ فحنّكني السعد بتمر المدينة ، وسقاني من ماء البلدة الأمينة ، وعوّذني بدعوات متينة . فها أنا كما ترى أتهادى وأجتذب ، وأستحلي وأستعذب . فقلنا : لعمرك إنه لفضل عميم ، لولا الصّميم ، وإنها لمنقبة ، لولا العقبة ، وأثرة ملتمسة ، لولا العطسة ، فقال : دعنا من زخاريفك ، وأغضض من عنان تصاريفك . البازل « 1 » لا يكون إلّا ذميما ، والليث لا يوجد إلّا شميما . ثم قام وحمل ، وابتدر وارتجل : [ مجزوء الخفيف ] عيشنا كلّه خدع * فاترك اللوم عنك ودع أنا كالليث والليو * ث بأرسائها ترع ولها الأوجه السّي * مه من يلقها يرع أيّ حسن لمازن * بيد الدّلّ يخترع ؟ أنا كالسّيف حدّه * لا يبالي بما وقع إنما الحسن للمها * ة وللظّبي يا لكع فقلت : تبّا لك سائر اليوم ، إنك لتريش وتبري ، وتقدّ وتفري ، وتحاسن وتقابح ، وتهارش وتنابح ، وتحبّ وتتأمل ، وتحسن وتغلغل ، وتشاعر وتراجز ، وتناطح وتناجز . وأنت على هذا كله مصرّ ، ما جزاؤك إلّا ريح فيها صرّ ، فما هو إلّا أن غفلت عنه لمحة طرف ، أو نفحة عرف ، ثم التفتّ وإذا به قد أفلس ، وكأنما كان برقا خلّس ، ولم أدر أقام أو جلس . ومحاسنه القطر الذي لا يعدّ ، والأمر الذي يأخذه الحدّ . وكفى بهذه الرسالة دليلا على جلالة مقداره ، وتدفّق بحاره وفخاره ؛ لما اشتملت عليه من بلاغة وبيان ، وبساط حال أنت على خبره بعيان ، وعلوم ذات افتنان ، خلّد اللّه عليه الرحمة ، وضاعف له المنّة والنعمة . مولده : بأوائل ربيع الثاني عام خمسة وستين وأربعمائة « 2 » . وفاته : من خطّ الحافظ المحدّث أبي القاسم بن بشكوال ، رحمه اللّه : كان « 3 » ممن أصيب أيام الهرج بقرطبة ، فعظم المصاب به ، الشيخ الأجلّ ، ذو الوزارتين ، السيد الكامل ، الشهير الأثير ، الأديب ، اللغوي ، السّري ، الكاتب البليغ ، معجزة زمانه
--> ( 1 ) البازل : ما بزل نابه من الإبل في السنة التاسعة . محيط المحيط ( بزل ) . ( 2 ) قال في معجم الصدفي ( ص 154 ) : « ومولده سنة خمس ، وقيل : سنة ثلاث وستين وأربعمائة » . ( 3 ) هذا النص غير وارد في الصلة . وجاء في الصلة بعض مما ذكر هنا .